ومضى عام على رحيل من كانت جنة حياتي
أمي الغالية هيا بنت عبدالله الحسن
أمي الغالية هيا بنت عبدالله الحسن
في مثل هذا اليوم العام الماضي كان يوم الأثنين الموافق ١٦ / ٨ / ١٤٣٧ هـ كنا بالمستشفى ، حيث كانت والدتي الغالية رحمها الله ترقد بالعناية المركزة أمضت خمسة أيام .. كان دخولها يوم الخميس ظهراً أثر وعكة صحية ... ومنذ أول يوم أدخلوها إلى العناية المركزة بسبب نقص حاد بالأكسجين .. ويوم عن يوم تزداد حالتها الصحية تدهوراً ، إلى أن تعطلت الكلى مما استدعى ضرورة عمل غسيل كلى ... وكلما بدأوا الغسيل أنخفض الضغط ومن ثم يتوقفوا حتى يعود ... ويعيدوا المحاولات بلا جدوى ..
في هذا اليوم _ يوم الأثنين _ كان جميع أبنائها وبناتها ومعظم أحفادها وحفيداتها وكثير من أحبابها موجودين ، الكل يترقب بريق أمل أو بصيص من نور ...
وفي المساء جمعنا الطبيب في غرفته بالعناية المركزة ليخبرنا بنبرة حزينة بأن حالة أمي ميؤوس منها طبياً وأنهم حاولوا ما بوسعهم ، ويبقى الأمل أولاً وأخيراً بيد الله تعالى ، وطلب منا أن ندخل عليها بغرفة الانعاش على دفعات كل فردين يدخلان سوياً ولبعض دقائق فقط كي نكّلمها ونخبرها أنها بخير رغم أنها في غيبوبة لكنه اخبرنا بأنها ستسمعنا ... وكأنه يطلب منا توديعها بطريقة غير مباشرة
وحان دوري انا وشقيقتي عائشة دخلنا عليها وقلوبنا ترتجف ومشاعرنا مشتتة بين خوف وحزن وألم وأمل ، وبدأنا نضمها ونقّبلها ونتمتم ببعض العبارات بالكاد تخرج ،، وفجأة تقول لي أختي عائشة وهي ترتجف : أميرة شوفي الشاشة ما فيه نبض !!!
قلت لها وقلبي يعتصر خوفاً : لا بإذن الله بتعيش .. وخرجنا وقلوبنا مكلومة ، وكان أخي عبدالاله يستعد للدخول الا ان الممرضة اشارت للدكتور بإشارات وما هي الا لحظات وأعُلنت حالة الطوارئ واندفع الأطباء والممرضات وهم يهرولون الى الغرفة وأغلقوا باب الغرفة واسدلوا الستار ،، وأخرجونا من قسم العناية
يا له من موقف عصيب !!!
هنا شعرت بأن الدنيا اسودت في عيني وخرجت وأنا أبكي وأردد أمي ماتت ... أمي ماتت ... أنهرت تماماً وأصبحت غير قادرة على الحركة وغير مستوعبة للحقيقة المرة .... هل بالفعل ماتت من كانت نبضات قلبي وأكسجين حياتي !!!
كان الجميع بانتظار خبر من الطبيب لا يريد تصديق الحقيقة !!! ... وبعدها خرج الطبيب ليخبرنا بأن جنة دنيانا قد فارقت الحياة ... يا لها من لحظات عصيبة مرت بِنَا تحمل أقصى معاني الألم والحرقة .. بل أنني وأنا أكتب الآن أشعر بحرقة ذلك اليوم ..، وكيف لا وهي النبع الصافي الذي كنا نرتوي منه حباً وعطفاً .... فما أصعب فراق الأحبة لا سيما الوالدين
لقد رحلت تلك الروح الطاهرة ... رحلت بعد أن عانت أمراض عديدة وكانت صابرة محتسبة ولا نزكيها
رحلت وكنا نطمع أن تبقى ... نعم !!! رغم كل ما تعانيه من أمراض ورغم كل ما تعانيه من أوجاع والأجهزة المحاطة بجسدها .. ونحن نريدها أن تبقى على قيد الحياة !!!
لكن الله تعالى ألطف بها منا ... فقد قبض روحها إليه لطفاً ورحمة لها فهو الحكيم العليم
لطف بها من بقاء جسدها تحت رحمة الأجهزة ...
لطف بها أن قبض روحها وهي مبطونة والمبطون بإذنه تعالى شهيد ...
لطف بها أن تعالى أخذ روحها الطاهرة بإذنه تعالى على شهادة التوحيد ...
لطف بها أنه تعالى يسر لها جموع غفيرة صلت عليها وشيعت جنازتها ...
آه ... لقد دُفنت أمي الغالية ودُفنت معها ملامحها الجميلة ... دُفنت حبيبتي فطغى الحزن على قلوبنا وأحدث جرحاً عميقاً وفراغاً كبيراً في حياتنا
رحلت أمي الغالية ،، وها هو عام كامل ينطوي بعد رحيلها , ولكن طيفها معنا دائماً لا يكاد يفارقنا .. نتذكر كل شيء فيها .. نتذكرها في بيتها وغرفتها وفي جلستها بالصالة المحببة لها .. بل أن كل شيء يذكرنا بها ... حتى عند نزول المطر نتذكرها وندعو لها ، كانت تتهلل عندما تمطر بالرياض لتتصل بمن تعرفهم بقريتها "ملهم" لتسألهم هل نزل عندكم مطر وتستبشر وتبشر .
كانت تحب الجميع صغير وكبير ،، بيتها دايم مفتوح للقريب والبعيد ، وإذا زارها أحد استقبلته بابتسامة وبشاشة .. وأي ضيف يزورها حتى ولو كان ضمن مجموعة يشعر أنه هو محط اهتمامها ،،، تسال عنه وعن أفراد أسرته فرداً فرداً ... تدعي له ولأحبابه وللمسلمين ، تدعي لكل أحد يكلمها او يزورها أو يخدمها ... حتى فترات تنويمها بالمستشفى كان لا يدخل عليها أحد من الكادر الطبي الا وتدعوا له .
كانت تحب الجميع صغير وكبير ،، بيتها دايم مفتوح للقريب والبعيد ، وإذا زارها أحد استقبلته بابتسامة وبشاشة .. وأي ضيف يزورها حتى ولو كان ضمن مجموعة يشعر أنه هو محط اهتمامها ،،، تسال عنه وعن أفراد أسرته فرداً فرداً ... تدعي له ولأحبابه وللمسلمين ، تدعي لكل أحد يكلمها او يزورها أو يخدمها ... حتى فترات تنويمها بالمستشفى كان لا يدخل عليها أحد من الكادر الطبي الا وتدعوا له .
رحلت والدتي تلك النفس الطاهرة الزكية عن الحياة ولكن بقى ذكرها وسيرتها العطرة تعطر أيامنا ... رحلت وحق لها علينا الدعاء لها بالمغفرة والرضوان وان يجمعنا بها وبوالدي الغالي وبأحبابنا في جنات النعيم ،، وان يجعل ما أصابهما من أمراض تكفيراً لذنوبهما ومحواً عن سيئاتهما ويجعل قبريهما روضة من رياض الجنة ، وأساله تعالى أن يوفقني وأخوتي وأخواتي على برهما بعد وفاتهما .. ويغفر لهما وجميع موتى المسلمين .
"اللهم ألهمنا الصبر والسلوان والثبات حتى الممات"
أميرة بنت عبدالعزيز الموسى
16 / 8 / 1438 هـ